الإثنين, 3 أكتوبر, 2022
الرهان

لمحامي محمد ولد آمين يكتب عن فساد القضاء وبداوة القضاة وظلم الفقراء وغدا الجلسة الثالثة من محاكمة ابراهيم الادهم…!


ابراهيم ولد الأدهم..ليس بطلا خرافيا..
ولا عبقريا يستحق التجميد..
انه مجرد انسان يستحق الحياة..
.يستحق الحياة دون ظلم ..
ودون تعذيب.
ابراهيم الأدهم مجرد صبي من قبيلة صغيرة من قبائل الغرب الموريتاني تدعى “المزازغة”..
ولد لاسرة فقيرة..
عمل والده وكيلا في الشرطة حتى التقاعد..
وترعرع في كنف أسرة عادية من ضواحي نواكشوط..
عائلة من تن سويلم.. تجتمع على الخبز الساخن..واتاي الصين الاخضر..
شانها شأن اي اسرة موريتانية بلامشاكل..بلا ضغينة..بلا أعداء.
انهم عباد لله.. يمارسون فعل الحياة على ارضه.. دون تبختر او جموح…دون علو..ودون فساد.
هذا الطفل المسكين اعتقل منذ ثلاث سنوات ..ووقت اعتقاله كان في الثامنة عشرة وأيام قليلة..
واحيل الى القضاء
بتهمة اغتيال محمدو ولد برو..
بتهمة حرق جثة ولد برو…
بتهمة سلب محمدو ولد محمد عبد الرحمن ولد برو اربعين الف أوقية كانت في جيبه.
هكذا أحالت الشرطة المحضر للوكيل…ولقد حضرت لنقاش الوكيل مع ابراهيم ..ومع المتهمين الآخرين…وصعقت من حيادية الوكيل أمام آثار التعذيب البادية على الصبي..!
لقد كانت آثار التعذيب جلية على الوجه المتورم..
مسجلة على الكدمات الزرقاء في كل شبر من بدنه الهزيل والشاحب…!
على طاولة الوكيل كانت صورة الجثة المتفحمة..!
وبجانب صورة الجثة المتفحمة صورة ولد برو باسما..!
صورة الجثة المتفحمة ..وصورة الشهيد الباسم تقابلتا في دفتي البوم منفتح على مكتب الوكيل.. الذي كان يلقي النظر على الصورتين ويتحشرج..ويواصل الاسئلة المتلاحقة ويغالب الدمع.
أسئلة من نوع هل سبق ورايت هذا الشاب..؟
حين احرقت هذا الشاب أكنت تريد اخفاء البصمات..؟
هل صحيح انه كان يشهد ويحوقل.. حين اشعلت ملابسه..؟
يا للهول ..!
وفي كل مرة كان الصبي يقول : هذا لم اقله…هذا غير صحيح..
فيشير الوكيل باصبعه الى مكان التصريح في محضر الشرطة..ويكرر لقد قلت هذا هنا..
وهكذا الى ان انتهى الاستماع..!
خرجنا من مكتب الوكيل.. ودلفنا الى قاضي التحقيق..وانفتح نفس الالبوم الحزين..بصورتيه المتقابلتين على خشبة مكتب التحقيق…وبجانب الالبوم سكين في وعاء بلاستيكي شفاف وقد بدت عليها قطرات متيبسة من الدم..ووعاء بلاستيكي آخر فيه دراعة ابراهيم ولد الادهم الملوثة بدم القتيل..ووعاء ثالث فيه قطع من كنبة السيارة..التي قتل فيها ولد برو حسب وثائق الشرطة وعلى قطع الاسفنج بقع حمراء من دم القتيل.
المحضر صارخ بالادانة…وباعادة تمثيل الواقعة..
والمتهم ينكر…ويتهم الشرطة بالتلفيق..
ولا حول ولا قوة الابالله.
تقبل قاضي التحقيق طلبات الوكيل بعد المثول الاولي وارسل الجميع الى السجن بتهمة الاغتيال وتنظيم عصابة اشرار لممارسة الحرابة.
بعد اسبوع ونيف من ايداع ابراهيم في السجن المركزي ذهبت اليه ..
وأصر على الانكار..لقد كنا وحدنا..انا وهو بين اربعة جدران كتيمة..اربعة جدران حزينة…اربعة جدران ضارية.
غصت في عينيه بعيدا..غصت بكل ما أوتيت من خبرة في الدخول لمكامن الروح…وغمرني شعور لزج بان هذا الشخص لم يقتل احدا..حاولت دفن ذلك الشعور باستذكار صورة الجثة المتفحمة لكنه ظل على حاله.
عدت من سماعي للمسكين مثقل الروح.. فلا شيء يمكن الاعتماد عليه لاخراج هذا الصبي الوديع ..هذا الصبي الهزيل من الورطة..!
لا شيء عندي سوى حالة وجدانية لمحام يحب الادب الروائي..!
الحدس الخاص يقول لي انه برئ ..
اجمل ما في المحاماة.. انها تطلع صاحبها على كثير من دواخل النفس…لذلك فأنا مدين لها بالكثير..فقد منحتني فرصا فادحة الجمال للتعرف على تأوهات البشر..وانكسارات الانسان.
انبل ما في هذه المهنة العتيدة هو شعور عارم بالزهو يعتريك حين تدرك انك بارقة الأمل الوحيدة لانسان -لاتربطك به اي صلة قربى- في ساعة اتحدت فيها كل عوامل الحياة على سحقه..!
المحامي الجيد ..كزهرة برية يتجلى جمالها حين تكون بمفردها في مواجهة الريح والسوافي…لذلك فلا مبالغة اذا قلت ان المحامي فقط يستطيع ان يشكل اغلبية لوحده..
ويستطيع مواجهة الجميع لوحده.
تواصلت جلسات التحقيق طويلة ..وضارية ..وتسرب نفس الشعور في كل دهليز من دهاليز المحكمة عقب كل جلسة ..لكن ظلت الوقائع صلبة وقاسية.. وهنا وجد التحقيق ان الافضل للوصول الى حالة يقينية في هذه المسالة ان يستعين بالعلم ومكتسبات التقانة.. واجراء خبرة مخبرية على الحامض النووي للانتهاء من الشكوك والى الابد.
وجه قاضي التحقيق طلبه للوزارة عبر النيابة ..واخذ مسلسل الصعود الرتيب شهورا طويلة.. مر بمكتب المدعى العام للاستئناف ثم مكتب المحامي العام للجمهورية.. ونزل على مكتب وزير العدل..وبعد استشارات هناك.. وافق الوزير على المبدأ وكلف احد معاونيه بمراسلة الطب الشرعي.
وكتب الدكتور محمد الامام ولد الشيخ ماء العينين رئيس قسم الطب الشرعي في مركز الاستطباب الوطني بنواكشوط لمكاتب خبرة دولية يبحث عن تكاليف الخبرة ورسى العرض على مكتب فرنسي فخم ووافقت الوزارة وراسلت وزارة المالية واخذ استخراج النفقة من المالية وقتا طويلا…وكنا نتابع الامر يوميا…
وكيف لا وهذه أول مرة تجرى فيها دراسة على الحامض النووي في تاريخ القضاء الموريتاني.
ثم اتى وقت أخذ العينات…بعناية الدكتور ولد الشيخ ماء العينين..واخذ عينات بيولوجية من اب الشهيد السيد محمد عبد الرحمن ولد برو..ومن أمه السيدة فاطمة بنت برو…وارسل العينات رفقة السكين والدراعة وقطع الاسفنج المقطوعة من كنبة السيارة الى مختبر الهيماتولوجي للطب الشرعي بمدينة بوردو الفرنسية تحت الرقم 2019/1246 ولا ضير في التذكير بأن هذا المختبر حائز على اعتراف السلطات الحكومية الفرنسية وعلى علامة ايزو بأعلى درجات الائتمان.
في بوردو السامقة والجميلة أخذ البروفيسور كريستيان دوترميبويش الأمر بيديه والبروفيسور دوترميبويش حائز على شهادات الدكتوراه في الطب..والدكتوراه في الصيدلة..والدكتوراه في البيولوجيا..وهو مسجل على قائمة الخبراء لدى محكمة النقض الفرنسية وساعده في المعاينة والتحليل كل من الدكاترة غيوم مونيك وغيوم دديبردو والسيدات بولين كارنينغ والسيدة صوفي لازال والسيدة اودري اسبانادا.
وكانت خلاصة الخبرة :
ان الدم الموجود على السكين ليس دما بشريا ..
وان بقع الدم الموجودة على الدراعة ..وعلى اسفنجة السيارة لا علاقة لها البتة بالسيد ولد برو الاب..ولا بالسيدة بنت برو الأم.
علميا هذا يعني ان ابراهيم ولد الادهم لم يقتل ولد برو..
المعلومات الاكلينكية تتطابق مع الحالة الوجدانية التي اتضحت لى بالعين المجردة.
هذا يتناغم تمام التناغم مع اتهام ابراهيم ولد الادهم للشرطة بتلفيق الجناية عليه…ويتماشى مع الكدمات الزرقاء التي سجلت في محضر التحقيق ساعة الاستجوابات السالفة الذكر.
واستدعينا لجلسة المحكمة الجنائية…وامام الادلة اليقينية الماحقة..كنت أتوقع ان تعلن المحكمة براءة ابراهيم الادهم من دم ولد برو..فقد حسمت الخبرة الامر.. لكنني وجدت نفسي امام قضاة في حالة غير مسبوقة من التردد والوجوم.. والنزوع الى نكران العدالة.
وقرروا بعد نقاش مستفيض تأجيل الجلسة الى تعميق البحث وترجمة التقرير الى العربية..ومعاينة هواتف المتهمين والاستماع مرة اخرى لشاهد سبق وافاد بتصريح لصالح المتهمين.
وبعد شهر من الانتظار اكملت فيه كل الشروط اعدنا الترافع في الامر ودخلوا في مداولات طويلة.. ثم خرجوا بقرار تأجيل الامر الى مزيد من التحقيق ..!
سجلوا معي ان وكيل الجمهورية اعترف امام المحكمة بجدية الخبرة وقال انه يحترم خلاصاتها.
سجلوا معي ان الـتأجيل هو تهرب من المسؤولية قبيل انعقاد المجلس الاعلى للقضاء…وان قضاة موريتانيا يخشون من احكامهم ويتهربون من مسؤولياتهم القانونية ويسجنون من ثبتت له البراءة وتهاوت كل ادلة الادانة نحوه.
لذلك..وبناء على ذلك.. فانني اطالب كل المهتمين بحقوق الانسان..وبدولة القانون..الى التواصل معي لتنسيق جهد مشترك لانهاء معاناة هؤلاء الابرياء.
في الختام اصبحت يساورني اعتقاد شبه يقيني ان الذين قتلوا ولد برو وحرقوه انما ارادوا بحرقه توقيع الجريمة وارسال رسالة تهديد مبطن لاناس ما…ولا يفوت على ان الفقيد كان يعمل في شركة تحويلات مالية (غزة تلكوم) وقد وقعت في السنوات الماضية جرائم مشابهة بنفس التوقيع..و كان ضحاياها ممن يعملون في بديلة العملات وتحويلها.
لذلك انزع الى الاعتقاد الى ان شبكة ارهابية منظمة كانت وراء هذه الجريمة..وهي شبكة نافذة في الامن وفي القضاء وذلك سر اصرار البعض على دفن الحقيقة وتلبيس الجناية لمن لم يقم بها.
انا حزين هذا المساء فلن يستطيع ابراهيم العودة لذويه قبل اعياد رأس السنة كما سبق ووعدته…وحزين لما اصاب عائلته من حزن فقد تعرضت أمه لنوبات قلبية متكررة ..وهزت الفاجعة شقيقته التي اصبحت في حالة صدمة هستيرية مزمنة.
كل ذلك بسبب ..تخلف بعض القضاة ..ورفضهم للمكتسبات العلمية..وميلهم للحيف.. وازدراء حقوق الانسان.
والى الله المشتكى…وعليه وحده التكلان..