الخميس, 29 سبتمبر, 2022
الرهان

على هامش حادثة أو فاجعة “ربينة العطاي”

بدأت كتابة هذا المقال من قبل أن تتضح الصورة لي الكاملة لحادثة “ربينة العطاي” إن كان الأمر يتعلق فقط بمفقودين، أو فاجعة “ربينة العطاي” إن كان الأمر يتعلق بعملية قتل بدم بارد.
إن المتاح حاليا من أخبار حول هذه الحادثة أو الفاجعة يتمثل في تصريح لنائب باسكنو الذي أكد قتل 15 من مواطنينا، وتعزية لنائب عدل بكرو بمناسبة الفاجعة الأليمة، وبيان لوزارة الداخلية يتحدث عن بذل أقصى الجهود لتقصي المعلومات عن المفقودين والوقوف على حقيقة ما جرى.
وفي انتظار كشف الحقيقة والوقوف على ما جرى، وحينها سيكون لكل مقام مقال، فلا بأس من قبل ذلك بشيء من التحليل الذي سيحاول أن يقدم بعض الاستنتاجات والسيناريوهات ذات الصلة بالحادثة (إن كان الأمر يتعلق بمفقودين) أو الفاجعة (إن كان الأمر يتعلق بقتلى وهو الشيء الراجح حسب روايات الأهالي).
بمنطق تحليلي بحت يمكننا أن نقول:
(1)
لا مصلحة إطلاقا للنظام القائم في مالي في فتح جبهة جديدة مع بلادنا، والتي تشكل حاليا الرئة الوحيدة أو شبه الوحيدة لهذا البلد المحاصر، وربما تشكل مستقبلا وسيطا بين مالي ودول الحصار، وتتأكد أهمية موريتانيا أكثر بالنسبة لمالي بعد بدء عمليات تصدير القطن المالي عبر ميناء نواكشوط المستقل. لا مصلحة إطلاقا للنظام الحاكم حاليا في مالي في توتير العلاقات مع موريتانيا،هذا هو ما يقوله المنطق التحليلي البحت.
(2)
لا يمكن أن نعتبر سلسلة المجازر البشعة التي ارتكبها الجيش المالي ضد مواطنينا منذ مقتل الدعاة في يوم 9 سبتمبر من العام 2012، إلى آخر فاجعة إن تأكد ضلوع الجيش المالي فيها (فاجعة ربينة العطاي)، والراجح أنه ضالع فيها، مرورا بكل العمليات التي حدثت بين الفاجعتين..لا يمكن أن نعتبر أن سلسلة هذه الحوادث كانت نتيجة لأخطاء، وأنها غير مقصودة . إن كثرة تكرار مثل هذه الحوادث يسقط نهائيا فرضية الخطأ والفعل غير المقصود.
(3)
تشعر بعض الدول المجاورة بأن مصالحها الاقتصادية وربما السياسية في مالي قد تتراجع لصالح موريتانيا، كما تشعر فرنسا الدولة الاستعمارية بأنها تلقت صفعة قوية من طرف النظام الحاكم في مالي…مثل هذا الشعور هنا أو هناك قد تنتج عنه أفعال ميدانية على الأرض بتوقيع من عملاء في المنطقة للإضرار بمالي، وأقوى ضربة قد يتلقاها في الوقت الحالي النظام المالي هي توتير الأجواء مع موريتانيا من أجل غلق الحدود ببين البلدين، وإجبار موريتانيا بالتالي للانضمام إلى دول الحصار.
(4)
بعض مواطنينا في مالي لا يتخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة التي يجب اتخاذها في المناطق المشبوهة وغير الآمنة في هذا البلد الشقيق والجار. إن تحرك مواطنينا في الأماكن غير الآمنة هو أمر في غاية الخطورة. المؤسف أننا خلال الأسابيع والأشهر الماضية لم نشاهد أي توعية للمواطنين بهذا الخصوص، فلا ندوات ولا برامج في التلفزة والإذاعة لتوعية مواطنينا في مالي بضرورة الابتعاد عن أماكن “الشبهات الأمنية”، ولا حملات توعوية في هذا المجال تم تنظيمها من طرف السلطات المحلية في الولايات الحدودية.
(5)
كل الخيارات يجب أن تُطرح بعد هذه الفاجعة باستثناء خيار الحرب أو الرد العسكري في حالة ثبت أن الجيش المالي هو المسؤول عن الفاجعة، وأنه يتعمد قتل الموريتانيين بدم بارد.
يمكن لجيشنا أن يرد، ويمكنه أن يكبد خسائر فادحة للجيش المالي ، ولكن ذلك سيجلب لبلدنا من الأضرار أكثر مما سيجلب له من مكاسب. نعم ستتضرر مالي أكثر، وهي متضررة أصلا وتعيش وضعية اقتصادية وأمنية في غاية التعقيد، ولكن ستتضرر أيضا بلادنا من أي توتر أو حرب في المنطقة، وللتذكير فإن حدودنا مع مالي تصل إلى 2237 كلم، و تمر بنصف الولايات الموريتانية تقريبا (تيرس الزمور؛ آدرار؛ كيديماغا؛ لعصابه؛ الحوضين(. وهي من حيث الطول تأتي في الرتبة 14 عالميا، و3 إفريقيا.
ينضاف إلى ذلك أن هناك تداخلا بين الشعبين مما سيزيد من حجم الخسائر في حالة حدوث أي توتر أو حرب بين البلدين الشقيقين.
(6)
بعد هذه النقاط الخمس التي حاولت أن تقدم الصورة بكل أبعادها عن الوضعية الحالية يأتي السؤال التلقائي : وما العمل؟
إن الإجابة على هذا السؤال بمنطق تحليلي بحت تستوجب منا تقديم فرضيتين في حالة تأكد قتل عدد من الموريتانيين من طرف عناصر من الجيش المالي.
الفرضية الأولى : أن تكون هناك عناصر من الجيش المالي هي من اتخذت هذا القرار الأحمق بقتل مواطنين موريتانيين، ودون أن تتلقى أوامر عليا، وأن تكون قد فعلت ذلك استهتارا أو تنفيذا لمصالح دولة أو جماعة ما تريد توتير العلاقات بين موريتانيا ومالي في هذا الظرف بالذات.
في هذه الحالة سيكون من اللازم أن لا يطوى هذا الملف كما طويت ملفات من قبله، ذلك أن طي تلك الملفات دون عقاب هو الذي أدى إلى مزيد من ارتكاب مثل هذه المجازر. لابد في هذه الحالة أن ينال المجرمون عقابهم في أسرع وقت، وأن يكون ذلك العقاب علنيا وبمشاركة موريتانية وبتنفيذ من السلطات المالية العليا.
الفرضية الثانية : أن يحاول النظام في مالي حماية مرتكبي هذه المجزرة الأخيرة، كما حمى إخوة لهم من قبل، وأن يبقيَ التحقيق في الموضوع مجرد حبر على ورق كما حدث في السابق مع مجازر أخرى. في هذه الحالة يكون من واجب الحكومة الموريتانية أن تتخذ إجراءات قوية ورادعة للرد على جرائم النظام المالي، فتطرد السفير المالي وتغلق الحدود بين البلدين..صحيح أن هذه الإجراءات ستزيد من معاناة الشعب المالي، ولكن الصحيح أيضا أن موريتانيا لم يعد أمامها من خيار غير ذلك في ظل عدم استعداد النظام الحاكم في مالي للتجاوب مع المطالب الموريتانية المشروعة والمتمثلة في معاقبة مرتكبي جرائم قتل الموريتانيين في مالي والعمل على وقف هذا النوع من الجرائم بشكل نهائي.
حفظ الله موريتانيا…

 

محمد الأمين  الفاظل